مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

معا للمستقبل

بين الإنصاف والأهواء ..!!


 ثورة يوليو التي نحتفل هذه الأيام بذكراها الرابعة والسبعين كانت من أكبر الأحداث المفصلية في تاريخ مصر الحديث، وحملت -ككل الثورات- إنجازات كبيرة وأخطاء جسيمة. 
وهو ما يطرح جملة أسئلة: هل يجوز أن نختزل ثورة بحجم الثالث والعشرين من يوليو 1952 في أخطائها فننكر إنجازاتها؟ وهل يجوز، في المقابل، أن نرفعها فوق النقد وكأنها معصومة من الزلل؟ ولماذا تحولت ثورة يوليو، بعد عقود طويلة، من حدث تاريخي يستحق الدراسة إلى ساحة خصومة سياسية، يكتب عنها البعض بعاطفة المؤيد، ويهاجمها آخرون بعاطفة الخصم، حتى غاب ميزان الإنصاف الذي أمرنا الله به: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾؟
إن التاريخ لا يكتب بالحب ولا بالكراهية، وإنما بالحقائق. وثورة يوليو، كغيرها من الثورات الكبرى، لها ما لها وعليها ما عليها، وإنصافها لا يكون بطمس أخطائها، كما لا يكون بجحد ما أحدثته من تحولات غيرت وجه مصر والمنطقة العربية وألهمت شعوبًا كانت ترزح تحت نير الاستعمار.
لقد جاءت الثورة في لحظة كانت فيها مصر تعاني احتلالًا بريطانيًا، وإقطاعًا واسع النفوذ، وفوارق اجتماعية حادة، وحياة حزبية فقدت كثيرًا من ثقة الناس، وفي هذا السياق يمكن فهم حجم التأييد الشعبي الذي حظيت به حركة الضباط الأحرار، وما تبعها من قرارات غيّرت بنية المجتمع المصري.
ويحسب للثورة أنها أنهت النظام الملكي، وأجلت آخر جندي بريطاني عن الأراضي المصرية باتفاقية الجلاء عام 1954، وأعادت توزيع الملكية الزراعية عبر قانون الإصلاح الزراعي، ووسعت نطاق التعليم المجاني، وأسست قاعدة صناعية واسعة، وأقامت السد العالي الذي ظل أحد أكبر مشروعات القرن العشرين، وأممت قناة السويس، وساندت حركات التحرر في إفريقيا وآسيا، وأسهمت مع قادة دول أخرى في تأسيس حركة عدم الانحياز، حتى غدت القاهرة قبلة لحركات التحرر الوطني في العالم.
كما أسهمت الثورة في إعادة تشكيل مفهوم العدالة الاجتماعية، وفتحت أبواب التعليم والعمل أمام شرائح واسعة لم تكن تحلم بذلك من قبل، وهو ما أحدث حراكًا اجتماعيًا غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يجوز إغفاله. فمن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن الثورة ارتكبت أخطاء اعترف ببعضها عدد من رجالها أنفسهم، وكان من أبرزها تأجيل بناء الحياة الديمقراطية، وحل الأحزاب، وتقييد حرية الصحافة، وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية، وتركيز السلطة في يد الدولة، بما أضعف التعددية السياسية وأخر تداول السلطة عبر المؤسسات المنتخبة.
وكانت أزمة مارس 1954 واحدة من أهم المنعطفات في تاريخ الثورة. ففيها ظهر الخلاف داخل مجلس قيادة الثورة بين فريق رأى، وفي مقدمته اللواء محمد نجيب مدعومًا بخالد محيي الدين ويوسف صديق، ضرورة العودة السريعة إلى الحياة الدستورية وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة، وبين فريق آخر قاده جمال عبد الناصر، ورأى أن أهداف الثورة لم تكتمل بعد، وأن المرحلة الانتقالية يجب أن تستمر حتى تُنجز مهامها الكبرى.
وانتهى الصراع بانتصار رؤية عبد الناصر، وإبعاد محمد نجيب عن السلطة وفرض الإقامة الجبرية عليه، بينما ابتعد يوسف صديق عن المشهد، رغم أنه كان من أبرز من أنقذ نجاح الثورة ليلة قيامها عندما تحرك مبكرًا للسيطرة على مقر القيادة العامة للجيش، وهو التحرك الذي حال دون انهيار العملية كلها في ساعاتها الأولى.
ولعل هذه الأزمة كانت بداية افتراق طرق رفاق يوليو، حتى صدق فيهم قول من قال إن الثورات كثيرًا ما تأكل أبناءها. فقد غادر بعضهم المشهد مبكرًا، وأُقصي آخرون، ثم تعاقبت النهايات المأساوية لكثير من رجال الثورة؛ فتوفي جمال وصلاح سالم، وابتعد عبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم عن مواقع القرار، وانتهت حياة المشير عبد الحكيم عامر في ظروف لا تزال مثار جدل تاريخي، ثم رحل جمال عبد الناصر عام 1970 بعد ستة عشر عامًا في سدة الحكم.
ومع وصول الرئيس أنور السادات بدأت مرحلة سياسية مختلفة، غلب عليها الابتعاد عن كثير من سياسات يوليو، وأُخرج معظم رجالها من دائرة التأثير، قبل أن يطوى عصر بكامله، ويبقى الجدل حوله مفتوحًا حتى يومنا هذا.
ومن المؤسف أن هذا الجدل كثيرًا ما فقد موضوعيته. فهناك من جعل من يوليو أصل كل أزمات مصر، وكأن البلاد لم تعرف إنجازًا واحدًا منذ قيامها، وهناك من تعامل معها باعتبارها تجربة كاملة لا يرقى إليها النقد. وكلا الموقفين يجافي الحقيقة؛ لأن التاريخ لا يعرف الأبيض الناصع ولا الأسود الخالص.
إن ثورة يوليو ليست مقدسة حتى تُحصَّن من النقد، وليست مدانة حتى تُمحى من الذاكرة. إنها تجربة إنسانية وسياسية كبرى، نجحت في ملفات، وأخفقت في أخرى، وأثرت في حاضر مصر ومستقبلها بصورة لا يمكن إنكارها.
واليوم، بعد مرور أكثر من سبعة عقود، لم نعد بحاجة إلى محاكمات سياسية بقدر حاجتنا إلى كتابة علمية موثقة، تستند إلى الوثائق والشهادات المتعددة، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو صناعة الأساطير. فالأمم الكبيرة لا تخاف من تاريخها، بل تراجعه بعين ناقدة وعقل منصف، فتتعلم من نجاحاته كما تتعلم من إخفاقاته.
لقد علمتنا يوليو أن العدالة الاجتماعية ضرورة، وأن الاستقلال الوطني لا يُشترى، وعلمتنا كذلك أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا في ظل مؤسسات قوية، وحياة دستورية مستقرة، وتداول سلمي للسلطة، واحترام للرأي الآخر. فالدولة القوية ليست تلك التي تنتصر في معركة واحدة، وإنما التي تنجح في بناء نظام سياسي قادر على تصحيح أخطائه بنفسه.
ويبقى الدرس الأهم أن الأوطان لا تُبنى بالحنين إلى الماضي، ولا بجلد التاريخ، وإنما بقراءته قراءة واعية، تنصف الرجال، وتعترف بالأخطاء، وتحفظ الإنجازات. فالتاريخ ليس سلاحًا في يد الخصوم، بل مرآة ترى فيها الأمم نفسها لتعرف كيف تتقدم.
وصدق الله العظيم: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾. فالأيام تتبدل، أما الحقائق فتبقى، ولا يخلد في ذاكرة الشعوب إلا ما ثبت بالعدل والإنصاف.
أرى أن هذه الصيغة أكثر توازنًا؛ فهي تقر بإنجازات يوليو الكبرى (الجلاء، الإصلاح الزراعي، السد العالي، تأميم القناة، دعم حركات التحرر، التعليم المجاني) كما لا تتجاهل أخطاءها السياسية، وعلى رأسها أزمة مارس 1954 وتأخر التحول الديمقراطي، دون الوقوع في التمجيد أو التشويه.
لا شك أننا في حاجة لمزيد من الحياد والموضوعية في كتابة  تاريخنا وتسجيل أحداثنا الكبرى لتقف الأجيال الجديدة على الحقائق بلا رتوش ولا تشويش ولا انحياز.
وتبقي حقيقة مهمة..لولا ثورة يوليو ما كنت أنا وغيري تعلمت بالمجان في المدرسة والجامعة .. ويبقى أخيراً أن ثورة يوليو أكلت بنيها مثلها مثل ثورات كثيرة.